من أنا

صورتي
القاهرة
كاتب صحفي متخصص في الجماعات والحركات الاسلامية في مصر والعالم رقم هاتفي 0020109899843 salaheldeen1979@hotmail.com

Most Popular

الجمعة، 18 فبراير، 2011

الاخوان ما بين ثورتي يوليو ويناير ... أخطاء لم تتكرر

صلاح الدين حسن
مع أنها كانت لا تحبذ كتابة تاريخها وتوثيقه إلا أن هذا التاريخ ظل يشكل الجزء الأهم من
وعيها ووجدانها.. كانت دائما تجتره لتضعه أمام ناظريها لتقلب صفحاته بانتصاراته وانكساراته بمحنه وإحنه بصعوده وهبوطه بمده وانحساره.
فمنذ أن خرجت جماعة الإخوان المسلمين من سجون عبدالناصر ممحونة ومأزومة وهي تمتلك مخزونا هائلا من الخبرات في التعامل مع السلطات المصرية التي بطشت بها بطشة الجبارين، كما تمتلك أيضا معرفة كبيرة بطبيعة الشعب المصري الذي لم يحرك ساكنا عند الزج بمعظم أبناء الجماعة في أتون السجون وتعليق خيرة أبنائها على أعواد المشانق.
وعندما أعطاها الرئيس السادات فرصة للملمة مكوناتها وتجميع أشتاتها ونجحت في تجديد شبابها عن طريق ضم غالبية شبان الجماعة الإسلامية الطلابية إليها لتشكل منهم عصب تنظيمها مرة أخرى، تيقنت الجماعة أن الله نفخ فيها الروح من جديد، وأنه قدر لها أن تكون فاعلا مهما في صنع تاريخ المرحلة المقبلة.
لكن تاريخ المحنة ظل دائما يشكل شبحا مخيفا يتراقص من حين لآخر أمام أعين قادتها وحراسها مما جعلهم أكثر حرصا على بقاء هذا التنظيم وعدم ضياعه مرة أخرى، وأخذوا يذوبون فيه وينكفئون عليه غير مراهنين على شيء سوى تصاريف القدر..
البنا والثورة
مع أن الخطاب الإخواني المعلن دائما ما كان يؤكد على رفض منطق الثورات والانقلابات إلا أن الممارسات العملية للجماعة يؤدي إلى عكس ذلك. وللحق فإنه من غير المنطقي حتى ولو سعت الجماعة لإحداث ثورة أن تعلن عن عزمها ذلك.
كان الشيخ المؤسس حسن البنا يؤمن أنه قادر بجماعته على فعل كل شيء في آن واحد (دعوة وتربية وسياسة) فهكذا هي دعوة الإسلام "شاملة" وأنه لا شك محقق مبتغاه فهذا هو طريق الرسل ودعواتهم، ثم إن دعوة الإسلام دعوة "ربانية" ورجالها "ربانيون"، وُعدوا بالنصر ذلك الوعد الذي وعد به العباد الصالحون.
حاول الرجل أن يقتدي بالنبي (ص)، واستلهم سيرته العطرة، وأسقطها على جماعته بذكاء وحصافة، لكن كما كان النبي (ص) يعلم ويربي كان يعد العدة أيضا لإقامة الدولة، فذهب الرجل ليعد هو أيضا ذلك.
أخذ يشكل تنظيمات سرية في الجيش والشرطة يتولى قيادتها تنظيم مدني داخل جماعته كان هدفه واضحا "التمكين للدولة الإسلامية" بعد الإطاحة بفاروق، لكنه كان دائما ما يستعين على قضاء حوائجه بالكتمان، ففي حين كان يعد للانقلاب على المملكة كان يهادن ملكها ونظامه مخاطبا إياهم بأنه وجماعته لا يؤمنون بالانقلابات ولا بالثورات، لأن هدفهم هو تربية المجتمع من القاعدة حتى يفرز بدوره تلقائيا حكاما يعبرون عنه... لكن رعونة شبان النظام الخاص كانت قد تسببت بكشفه قبل أن يتحقق الهدف، وكان الثمن حياة المؤسس نفسه.
أخطاء يوليو
قام انقلاب يوليو وأصبحت الجماعة التي كانت بالأمس تتعوذ بالله من الانقلابات تفتخر بأنها من صنعه وحماه، وأن رجالها هم قوامه وظنت أن موعد قيام دولة الإسلام قد حان، وحان وقت الذهاب إلى قبر مؤسسها مخبرين إياه بأن دمه لن يذهب سدى.
كان كثير من قيادات الجماعة وأعضائها الذين كانوا يراهنون من قبل على التغيير القاعدي للأمة يراهنون الآن على انقلاب العسكر فقط، وهو الأمر الذي لم يكن يعتمد عليه الشيخ البنا منفردا، بل كان يعده جزءا من حملة تغيير شاملة، إلا أن هؤلاء القادة اعتبروا حينها أن الجماعة هي التي بذرت بذرة تنظيم الضباط في الجيش، متغاضين عن كونه أصبح يضم من الضباط غير الاسلاميين أكثر بكثير من الإسلاميين... لكن رجلا كان يعد طارئا على الجماعة لم يكن مستريحا لكل ما يحدث، وكان يرتاب في تصرفات العسكر، ولم يكن يرى أن ثمة خيرا قد يأتي من ورائهم، هذا الرجل كان مرشد الجماعة الثاني رجل القانون والقضاء حسن الهضيبي.
في حين قدمت الجماعة الغطاء الشعبي لانقلاب العسكر وهي تحسب أنه ثورتها كان العسكر يتخلصون من كافة القوى السياسية والحزبية على الساحة المصرية بموافقة الجماعة وتأييدها، باعتباره تخلصا من فساد العهد السابق، لكن المرشد الثاني كان قد أدرك بحاسته القانونية أنه يمكن أن تطبق عليه قاعدة الثور الأبيض، فنهض متأخرا يطالب العسكر بالرجوع إلى الثكنات وإرجاع الأحزاب وعودة الديمقراطية، لكنه كان قد أفاق بعد أن استفحل العسكر وقويت شوكتهم ثم بدأت سلسلت الأخطاء التي ارتكبتها الجماعة في التقاطر.
الإخوان والإسقاط البطيء للنظام
لم يكن الإخوان مستعدين بعد يوليو أن يلدغوا من جحر مرتين، وكانوا يدركون جيدا أخطاء الماضي وإن دسوا هذه الأخطاء في أجولة التاريخ حتى لا يستخدمها أحد في تشويه دعوتهم.
منذ أن انتهت عشر سنوات من العسل بين نظام مبارك والإخوان بقضية سلبيل عام 1992م وتبعها استراتيجية الضربات الجزئية للجماعة، وسياسة الترك والقمع لم يرض الإخوان أن يكونوا جزءا معينا للنظام المصري في بناء الدولة، بل وقفوا منه موقف الفرقاء، اللذان لا يكمل بعضهما الآخر.. فمنذ سنين والإخوان يفتتون أركان هذا النظام مستعينين بقواعد تنظيمهم في كافة أنحاء البلاد، وفوق أنهم لم يجعلوا من أنفسهم أداة لمساندته ومحاولة مشاركته في إحداث بناء وتنمية في الدولة أخذوا يضربون ما تبقى له من سمعة بين الناس، كما عملوا طاقة جهدهم في تشويه صورته وتسفيه إنجازاته يساعدهم في ذلك الشعب المصري ذو النفس المعارض للأنظمة، وكان هذا هو رد الفعل السلبي على الضربات الأمنية التي كانت توجه لخيرة أبنائها وعصب اقتصاد تنظيمهم.
وبلغت حالة الاحتقان الإخواني ذروتها بعد المحاكمات العسكرية الأخيرة التي أصدرت أحكاما قاسية على خيرة قيادات الجماعة، ثم كانت التعديلات الدستورية التي كرست للتوريث وتخلصت من الإشراف القضائي على الانتخابات.
ومع أن فرص الإخوان كانت ضعيفة في الحصول على المقاعد في انتخابات مجلس الشعب 2010 م إلا أنها استعدت جيدا لخوضها على الرغم من دعوات المقاطعة.
فالجماعة دخلت بمعادلة بسيطة مؤداها أننا إن لم نفز بمقاعد فسنفوز بفضيحة النظام، وبالفعل دخل الإخوان متسلحين بكاميرات في كثير من الدوائر المتوقع تزويرها، كما أعدوا قدراً كبيراً من مواقع اليوتيوب لتحميل مقاطع الفيديو التي تثبت التزوير وهذا ما حدث بالفعل.
شعر الناس أن المجتمع يتأخر بفعل نظامه، وأن شعوره بعد عام 2005 أنه يتقدم في خطى بطيئة نحو الإصلاح بدأ في التلاشي، فها هو التزوير الفج يعود من جديد، والبرلمان المصري يكتسحه الحزب الوطني بما لم يحدث من قبل بعد انسحاب الإخوان والمعارضة منه وتوجيه ضربه قاصمة للنظام.
الإخوان يدركون لحظة ثورة
كان في المشهد المقابل أحمد عز الوجه الكريه للمصريين، ورمز الظلم الاجتماعي وتزاوج المال بالسلطة يتحدث وكأنه انتصر في معركة لصالح الوطن، وبدا أنه يصدق نفسه في أن خاض معركة فعلا وهزم فيها منافسين، ثم تصاعد المشهد دراماتيكيا بسخرية مبارك من البرلمان الموازي وقوله (خليهم يتسلوا). جاءت ثورة تونس وشعر المصريون أنهم ليسوا أقل من "التوانسة" وهم الأسوأ حظا، وبدأت ظاهرة الانتحار حرقا.
دعت مجموعات ناشطة على الفيس بوك إلى النزول للشارع يوم 25 يناير، لكن الإخوان كالعادة أعلنوا أنهم سيشاركون ببعض الرموز ولن يمنعوا شبابهم من المشاركة، وهي اللحظة التي يعود فيها شبح المحنة في التراقص أمام أعين قادة الجماعة.. لكن يوم 25 لوحظ تواجد لشباب الإخوان وبعض رموزهم في ميدان التحرير، لكن الأهم هو تواجدهم المكثف في هذا اليوم في محافظات مصر، وهو الأمر الذي أعطى للاحتجاجات شكل الثورة.
عندما نجحت تظاهرات يوم 25 وقلبت بر مصر كله وظهر الشباب في المشهد كبطل وحيد، وتنحى الجميع عن الصورة بمن فيهم الإخوان شعر الاخوان لحظتها بخبرتهم التاريخية انها ربما حانت الفرصة للتغيير فالمظاهرات لن تحسب عليهم، ولن يبقى فقط إلا أن يشكلوا لها عصبا قويا ودرعا حاميا والأهم أنهم ليسوا وحدهم في الصورة بل الشعب جميعه وهو الشعور الذي يبعد الشبح قليلا عن أعين القادة.
وجاء يوم 28 فبراير يوم جمعة الغضب ليخرج التنظيم الإخواني داعما للتظاهرات في كافة المحافظات، وفي القاهرة كان أعضاء الجماعة بمثابة الوتد للتظاهرات، هذا الوتد الذي لم يستطع عناصر الأمن المركزي خلعه، كما شكلت الجماعة عصبا متفرعا ومنتشرا في جميع محافظات مصر كلها، وعندما سقط الجهاز الأمني ساهمت الجماعة لحد كبير في حفظ الأمن في بلدانها وتسيير شؤون التظاهرات في وقت واحد، واستطاعت الجماعة بتنظيمها أن تنظم أعضاءها وتوزعهم بشكل جيد على التظاهرات في مدنها وفي ميدان التحرير، فهناك من كان يذهب إلى عاصمة محافظته، والآخر إلى قلب الميدان التحرير، ثم يستبدل هذا الوضع، وهناك من يذهب إلى الراحة حتى جاء يوم الأربعاء الدامي وهو ما سمي بواقعة الجمل وهو اليوم الذي تلا مظاهرة مليونية ذهب الكثيرون صبيحة يومها للراحة أو للسفر إلى أقاليمهم، فجاءت هجمة "البلطجية" بالآلاف على الميدان فأرسلت قيادات الجماعة على الفور دعما للمتظاهرين تمثل في عشرات الآلاف من مختلف ضواحي القاهرة الكبرى والمحافظات القريبة منهم.. فـ5 آلاف فقط جاء بهم القيادي الإخواني محمد البلتاجي المسؤول عن الإخوان في ميدان التحرير من منطقة شبرا موطن دائرته الانتخابية وهم معروفون بقوة البأس في مثل هذه المواقف، وهنا انتصر التنظيم الإخواني القوي على تنظيم الحزب الوطني الأمني المهلهل وثبت المحتجون على ميدان التحرير مما شكل ضغطا كبيرا على عصب النظام، الذي لو كان قد نجح في زحرحة الثوار عن أرض الميدان لربما كان قد ذهب بثورتهم سدى.
أخطاء لن تتكرر
وعندما دعا عمر سليمان الجميع ومن بينهم الإخوان إلى الحوار ملوحا بأنها قد تكون الفرصة الأخيرة لهم، ارتبكت القيادات الرابضة بمكتب الروضة، واستحضرت التاريخ مرة أخرى فعبدالناصر كان قد دعا قيادات الجماعة للتفاهم لكنها انشقت لقسمين أحداهما موافق والآخر على رأسهم المرشد رافض ومتشكك في نوايا العسكر، لكن تنظيم الجماعة الآن أقوى من ذي قبل، ولم يعد عرضة للانشقاقات المؤثرة كما كان في يوليو.. قررت قيادات الروضة الذهاب للتفاوض، وهو ما أغضب القيادات الميدانية للجماعة الذين كان يقودهم محمد البلتاجي حتى بدا لقيادات الروضة أن هؤلاء الثوار في الميدان لربما ثاروا عليهم ورفضوا طاعة أوامرهم، وبعد أن كادوا يقعون في الفخ حاولوا تبرير التفاوض بأنهم لن يخسروا شيئا طالما ما زالوا مرابطين في أرض الميدان، ثم شعرت هذه القيادات أن سليمان ربما يخدعهم بعدما قام بتشكيل لجنة دستورية قاقزا على آرائهم، كما جاء هذا القرار مؤكدا على صدوره من شخص الرئيس مبارك بما يؤكد شرعيته، فطن الإخوان للعبة ورفضوا القرار معللين ذلك بأنه أتى من رئيس فاقد للشرعية، ولكن يبقى السؤال إذا كنت مؤمناً بأنه رئيس فاقد للشرعية، فلماذا ذهبت للتفاوض معه وتحت صورته الكبرى المعلقة على حائط غرقة اجتماعات رئاسة الوزراء... لكن الجماعة وللحق كانت قد أكدت للجميع أنها لن تخلي أرض الميدان بأي حال من الأحوال ولم تأمن مكر السلطات التي كان من الممكن أن تبطش بها عند أول تهدئة، وهي تستحضر في ذلك أيضا مظاهرات قصر عابدين التي كاد يطيح فيها متظاهرو الإخوان وغيرهم بجمال عبدالناصر وجميع مجلس قيادة الثورة لولا تدخل القيادي في الجماعة والقانوني العلامة عبدالقادر عودة الذي دعا المتظاهرين للانصراف وكان بعدها الانتقام منه ومن الجميع.
جزء من المجتمع
وفي حين كانت تهتف مظاهرات الإخوان ضد ثوار يوليو بالشعار التاريخي (إسلامية إسلامية لا شرقية ولا غربية) لم نر الإخوان في يناير يرفعون أيا من شعاراتهم، بل أخذوا يرددون ما تردده الجماهير الثائرة في بر مصر كلها، وفي حين حاول المرشد الثاني حسن الهضيبي أن يفرض رقابته على قيادات مجلس الثورة واعتبرهم قُصَّرا في إدارة البلاد لم يطالب إخوان يناير بشيء خاص بجماعتهم، بل طالبوا بما يطالب به الشعب فقط من حريات وإلغاء قانون الطوارئ وإنشاء دستور جديد أو تعديل القائم، والسماح بحرية إنشاء الأحزاب وحل البرلمان وغيرها من مطالب الثوار، وبررت ذلك بأنها لا تطلب شيئا شخصيا يبدو أنه انتهازي.
لكن الأهم خلال هذه الأحداث أن الجماعة نفت بشكل قاطع سعيها لمنصب الرئاسة ولا حتى الوزارة كما أعلنت أنها ستدخل الانتخابات التشريعية كما دخلت أول مرة بعدد لا يسمح لها بالأغلبية النيابية وبدأ أنها ترسل رسائلها للجميع بأنها ليست طامعة في سلطة وأنها تريد حياة سياسية نقية وسليمة.

ليست هناك تعليقات:
Write التعليقات

Services

More Services

© 2014 صلاح الدين حسن. Designed by Bloggertheme9 | Distributed By Gooyaabi Templates
Powered by Blogger.