أرشيف المدونة الإلكترونية

من أنا

صورتي
القاهرة
كاتب صحفي متخصص في الجماعات والحركات الاسلامية في مصر والعالم رقم هاتفي 0020109899843 salaheldeen1979@hotmail.com

Most Popular

الجمعة، 9 أبريل، 2010

محمود عزت... حارس القلعة

صلاح الدين حسن 06-01-2010

لكل قلعة حراس يحمونها، يؤمنون بأفكار وقناعات يعتقدون أن دونها تهوي الحصون وتهتز الجدران وتقوَّض البنيان؛ ولذا فهم مرابطون على ثغرها، يدافعون عنها حتى الموت في سبيلها.. وكان لكل خلافة حاجب وأمين سر يسمح لمن يشاء ويحجب من يشاء، ويتحكم في مفاصلها، ويعرف كل شاردة وواردة.. فهل هذا الرجل حقا يشبه هؤلاء؟.. فهو كحارس القلعة، وحاجب الملك، أو قل هو الملك ذاته؟.
ثمة شيء في العيون الذاهلة لهذا الرجل ضعيف البدن قوي النفوذ يصعب تفسيره... حاولنا الغوص في تاريخه منذ مولده وحتى اليوم علنا نستطيع أن نكشف بعضا من هذا الغموض.
في شعبة العباسية
اسمه السيد محمود إبراهيم عزت "والسيد" هذا لقب صدره والده أمام كل اسم من أسماء إخوته، وكانت هذه عادات من ينسبون أنفسهم لآل البيت. ولد محمود عزت في أغسطس 1944 وكان والده إبراهيم عزت "مقاول بناء" ميسور الحال.
ذهب محمود في سن مبكرة إلى حي السكاكيني في العباسية ليقيم مع جده لأمه، وهناك تربى على ثلاثية مختلفة عما كان عليه الحال في منزل والده، لكنها ثلاثية متآلفة: جده الذي يصلي الفجر ويتلو القرآن في خشوع وصوت عذب ثم يضع على فمه ورقة كارتون حتى لا يتطاير الرذاذ من فمه على المصحف تقديسا له، ومعبد اليهود الذي كان يذهب إليه ليلهو في أعراسهم، ودير طور سيناء الذي كان يطل على نافذة شرفته فيشاهد الرهبان وهم يروون أشجارهم، وفي ذات البيت يعيش مع هذه الثلاثية أرمن وأقباط ويهود، وكانوا يتزاورون ويتهادون في الأعياد والمناسبات، ويخرجون مبكرا لكي يسمعوا القرآن من فم جده الذي كانوا يزورونه عندما يمرض، لكن شيئا جديدا طرأ على حياة الصغير فتأثر به، وظل مخزونا في وجدانه ليظل يبحث عنه حتى وَجَدَه فيما بعد.
في شارع محمد رفعت بالعباسية مرَّ الفتى أمام شعبة جماعة الإخوان المسلمين فدخلها هو وأولاد أخواله فشده اللعب فلهى هو وهم، لكن أثناء لهوه كانت تتطاير إلى أذنه أصوات دعاة الجماعة، لم يفهم كثيرا مما يقال، لكنهم أثروا في وجدانه، فذهب ليستمع فرصده مسئولو الأشبال في الجماعة، وتعرفوا عليه فأحبهم وارتبط بهم، وجلس يسمع للدعاة واقفا على قدميه ساعات طويلة.
الهروب خلف الجدران
ذهب محمود عزت بعد أسبوع إلى ذات المكان لا ليلعب، بل ليستمع ويلتقي بمن أحبهم، لكنه لم يجد بغيته.. كان عام 1954 قد أتى ومعه محنة للجماعة صدمت الجميع، فقد أصبح أصدقاء الأمس أعداء اليوم، لكن الفتى لم يعِ ما يحدث جيدا، فجل ما كان يسيطر عليه من خواطر أنه فقد من أحب، ولم يبق له إلا ذكريات ذلك اللقاء الذي سكن قلبه..
في هذه الفترة شعر الكثيرون بالذعر، كما شعرت عائلة عزت، فالاعتقالات نالت نفرا منهم، ومنع عزت من مجرد الذهاب إلى المسجد.. ترسب المشهد في قاع ذاكرة الفتى وترسخ في وجدانه.
مرت سنتان وجاء العدوان الثلاثي على مصر وتجددت مشاعر الجهاد عند محمود عزت، فالمجتمع المصري لا يعرف روحًا إلا الروح الإسلامية، والتي تتجلى في أوضح صورها عند الأزمات.
اعتلى عبد الناصر منبر الأزهر هاتفا "الله أكبر"، ورددت الإذاعات الأناشيد، "دع سمائي فسمائي محرقة"، لكن سرعان ما ذهبت هذه الروح وخرج الزعيم منتصرًا، وكانت نشوة النصر التي خرجت مع انتعاشتها الروح الإسلامية، وتبدلت بروح اشتراكية غربية، فلقد انتزع عبد الناصر من حياة الفتى من أحبهم في لحظة عاطفية شاعرية، فأبغضه واشتاق إليهم، وشعر بالغربة والوحشة لهم، ثم بدله عبد الناصر بحياة لم يجد فيها حلاوة ما ذاقه في شعبة الإخوان، فظل ساكنا في انتظار من يحب.
من السكاكيني لمصر الجديدة
في رحلة الانتظار ظهر الحاج إبراهيم عزت ليطلب من زوجته القديمة وأولادها الرحيل إلى مصر الجديدة بعدما تمكن من بناء عمارة سكنية هناك في وسط الحي الراقي الجديد الذي يضم خليطا من أغنياء جدد، وبقايا باشاوات وعائلات عريقة.
ترك عزت بيت جده في العباسية عام 60 ليقيم في الحي الراقي الجديد، لكنه صدم فيما رأى.. نساء كاسيات عاريات تسير في الشوارع ترتدي ما يسمى "الميكروجيب" وفتيان وفتيات يرقصون في أماكن عامة لا هوية تجمعهم إلا حبهم لكرة القدم.
لم يندمج مع المجتمع الجديد الطارئ ففقد توازنه، ولم يستطع أن يحصل على الدرجة الكافية لدخوله كلية الطب، فقرر أن يحسم أمره ويهرب من مجتمعه الجديد ويرجع إلى بيت جده ليعيد الثانوية العامة مرة أخرى، وانكب على دراسته متحصنا بصلاته بعيدًا عن حبائل الشيطان.
حقق هدفه وانتقل إلى الجامعة طالبا في كلية الطب فوجد نفسه مصطدما بمجتمع أكثر انفتاحا وتنوعا هذه المرة، لكنه لم يستطع أن يهرب، فلاذ إلى مصلى المسجد الصغير الذي لا تتعدى مساحته 4 أمتار، وحاول أن يغض بصره، وأن يتمتم بآياتٍ من القرآن عندما يرى منكرًا.
وهناك في مسجد الكلية الصغير تعرف على صلاح عبد الحق الذي أثر فيه بقوة، ووصفه بأنه كان مثالا وقدوة، وخلف المشرحة، حيث تتناثر رائحة الفارمولين والجثث كان عدد المصلين لا يتجاوز أصابع اليد، صلوا هناك وقرءوا القرآن، وبدءوا يدعون الآخرين إلى الصلاة حتى اكتملت مجموعتهم 20 شخصا.
البحث عن الجماعة
وفي رحلة البحث عن الجماعة تعرف عزت على جماعة التبليغ والدعوة، وخرج معهم يطوفون على المساجد في أرض الله، ويدعون الناس للصلاة والذكر وصلاح الأخلاق، لكنه كان يشعر أن شيئًا ما يبحث عنه ولا يجده معهم.
لقد ظل عزت أسير المشهد الذي وجده في شعبة الإخوان في شارع محمد رفعت، وفي عام 62 كبرت المجموعة، وقذفت الأقدار في طريقهم بشاب جريء ومتحمس، وهو السوري الحموي مروان حديد -الذي قاد معركة حماة ضد نظام الأسد فيما بعد- كان حديد من الإخوان المسلمين الذين أفلتوا من رقابة الأجهزة الأمنية المصرية، وكان عزت تواقا للكتب الإسلامية فأهداه حديد بعض كتب قطب ورسائل البنا فقرأها بنهم، فوجد في رسائل البنا القواعد الكلية لرسالة الإسلام ولمهمة المسلمين، ووجد في كلام قطب العاطفة الجياشة وحب الإسلام، فامتزجت عنده العاطفة بالأصول الشرعية، وأثرت عليه تأثيرا كبيرا.
استدعى عزت الصورة القديمة، لكنه ولأول مرة قد شعر بعد قراءته لهذه الكتب أن للإسلام رسالة عظيمة لابد أن يحملها للناس ويحميها، وشعر بالشفقة على المجتمع الذي لا يعرف ما عرفه، ولم يتذوق ما ذاقه، وشعر في مواجهة من حوله "بعزة المسلم".
خلية مصر الجديدة
صنع مروان حديد من هذه المجموعة خلية دون أن يعلموا هم بذلك، وأطلق عليها فيما بعد خلية مصر الجديدة، وسلمهم إلى رأس التنظيم قبل أن يغادر مصر إلى سوريا.
لقد سلمهم إلى تاجر الغلال الدمياطي الشيخ عبد الفتاح إسماعيل.. اعتقد عزت أنه بلقائه حديد وإسماعيل قد وجد الجماعة التي يبحث عنها، لكنه اكتشف بعد ذلك أن هذا التنظيم ليس إخوانيا.. لم يكن لعزت فيه ناقة ولا جمل، لكنه قبض عليه في 19 أغسطس 65 وفي 20 أغسطس ألهبت سياط العسكر ظهر الفتى الغض المرفه، كما نبشت جسده الكلاب، ونام في زنزانة خالية من كل شيء على صوت خرير الماء المتقطع، لكن أصعب لحظات حياته كانت لحظة إعدام سيد قطب.
بعد وفاة الرئيس عبد الناصر جمعت الأجهزة الأمنية الإخوان من السجون المتفرقة، ووضعتهم في ليمان طره لإجراء عمليات استتابة لهم، وقاد هذه العمليات وقتها اللواء فؤاد علام، وشكلت هذه فرصة للإخوان للالتقاء في سجن واحد.
نشط الحاج مصطفى مشهور في هذه الفترة، واستطاع أن يجمع مجموعة كبيرة تجاوزت الـ50 فردًا من الإخوان، وجمعهم في رباط واحد، كان عزت من كبار هذه المجموعة، فقد أحب مشهور، وأعجب بتضحياته وجهاده في السجن، ورأى فيه الجماعة التي يبحث عنها، وخرج الاثنان معا في أوائل السبعينيات.
ما بعد الخروج
ظل عزت مرتبطا بمشهور، فقد عملا سويا، وكانا أبناء منطقة إدارية واحدة (شرق القاهرة) التي كانت تخضع لمسئولية مشهور في هذا التوقيت، وخرج عزت ليجد ظاهرة الصحوة الإسلامية في ذروتها وشباب الجماعات يتحركون في كل مكان تحت أعين وبصر النظام، لكنه لم ير من ذلك مسلكا قويما وأفرادا منضبطة، فالإخوان هم الجماعة الربانية المصطفاة الشاملة التي قيضها الله على يد المجدد حسن البنا لتعيد المجتمع على ما مكان عليه النبي (صلى الله عليه وسلم)، فرأى من نشاط الشباب في هذا الوقت عملا طيبا يجب أن يستفاد منه لصالح الدعوة، لكنه مارس الدعوة الفردية، ولم يندمج في العمل العام المفتوح.
روى لنا أحد الأشخاص الذين دعاهم محمود عزت إلى الجماعة أن عزت زاره في منزله ومد يده وأعطاه مصحفا، وبدأ في القراءة، وبعد أن انتهيا وذهب ليوصله على السلم، وضع يده في جيبه وأعطاه ورقة مطوية بشدة حتى صارت بمساحة 4 سم مربع.. كانت ورقة بسيطة للغاية مكتوبة بالقلم الرصاص، وتبدأ بعرض ما في المجتمع من منكرات، وتعلق ذلك على بعد المجتمع عن الدين، وتعرض البديل تلقائيا بضرورة التمسك بالدين، والعمل على نصرته والبحث عن الجماعة المناسبة للقيام بهذا الدور.
الهروب قبل المنصة
في نهاية السبعينيات وجد السادات نفسه مكروهًا من الجميع.. من يساريين وناصريين وجماعات إسلامية، لكنه شعر بالمرارة من الإخوان.. تلبد الجو بالغيوم.. لكن رجلان في الإخوان كان لديهما قدرة على استشعار ما وراء الغيوم.. هما مصطفى مشهور ومحمود عزت.. شعرا أن الوضع قد ينفجر، وأن هناك فوضى سوف تقع فهاجرا قبل اعتقالات سبتمبر بأيام، وهنا تنشط التفسيرات لتجيب عن سؤال: لماذا غادر الرجلان فجأة وبدون مقدمات وبدون رضا المرشد عمر التلمساني؟، ولماذا لم يخبرا أتباعهما في الميدان؟.. لكن لا شك أن جميع التفسيرات لم تذهب إلى أن الرجلين قد هربا خوفا، فهما يتصفان بالشجاعة والثبات، لكن ثمة تفسير يرجح أن الرجلين رأيا أن هناك شيئا سيحدث، وأن التنظيم لم يكن بقوة كافية فذهبا ليستكملاه في الخارج.
في الخارج بدأ مشهور في بناء التنظيم الدولي ومعه عزت، لكن هناك من تحدث أن مشهور كان يبني تنظيما خاصا موازيا لتنظيم التلمساني الذي تمددت فيه قيادات السبعينيات الذين التفوا حوله.. وبانتهاء أحداث المنصة خلت الساحة لإخوان مصر فانطلقوا في ساحة شبه خالية من الجماعات الإسلامية تقريبا خلال فترة الثمانينيات؛ مما أتاح لهم فرصة عمل ذهبية تمكن خلالها فريق العمل بقسم الطلاب والمهن من التمدد بالجامعات، واكتساب مقاعد الاتحادات الطلابية بالكامل تقريبا، وكذلك مقاعد مجالس أندية أعضاء هيئة التدريس.
العودة وسلسبيل
عاد عزت في منتصف 86 أثناء مرض التلمساني ليعمل في جامعة الزقازيق، وفي منتصف 88 ولاه مشهور مسئولية أعضاء هيئة تدريس، وكانت جزءا من قسم الطلاب وقتها الذي قيل إن قيادات السبعينيات أبعدت عنه عمدا كجزء من عملية منظمة لتحجيم حضورهم، ومن منتصف عام 86 انهمك محمود عزت وخيرت الشاطر في بناء شركة سلسبيل.
وفي عام 1992 هاجم ضباط أمن الدولة مقر الشركة، ووقع في يدهم كنز ثمين عبارة عن كشوفات بأسماء الإخوان في مصر وتراتبيتهم التنظيمية، ومعلومات مفصلة عن الجماعة منذ خروجها من السجون وحتى تاريخ الهجوم على الشركة، وكانت سلسبيل قد أوكل لها القيام بجمع معلومات تفصيلية حول جميع الإخوان، وتسجيلها في كروت باسم كل عضو، كما قيل إنها صنفت الإخوان دينيا تبعا لمواصفات خاصة، لكن القضية برمتها لم تقدم للمحاكمة.
بعد سلسبيل مباشرة أجريت انتخابات داخلية قيل إن المايسترو فيها كان محمود عزت؛ حيث استطاع بعد التحكم في مفاصل التنظيم أن يطيح بأشخاص غير مرغوب فيهم، كما استطاع أن يقوم بعملية إحلال وتجديد لعناصر موالية له، كما استطاع أن يخلق مراكز أخرى لعناصر جديدة داخل التنظيم.
وبعد تولي مشهور في عام 96 تمدد عزت داخل التنظيم، واستطاع الفوز في انتخابات 95، وقبض عليه في اعتقالات مجلس الشورى، وحكم عليه بخمس سنوات وخرج عام 2000.
ميراث الجماعة
إنه أمين هذه الجماعة.. ولقد أثبت أنه عند وعده وبيعته لأستاذه مصطفى مشهور بأن يظل يحمي هذه الجماعة ما دام حيا، فبدا أنه الرجل الأقوى حقا الذي استطاع وفق ما يرى البعض أن يقصي رجلا قويا كان نائبا للمرشد؛ لأنه رأى أن ظروف المرحلة لا تتطلبه، فلقد رأى الآن أن لحظة الحسم قد حانت، وأن رحلة العمل التنظيمي الشاقة التي شهدت مرحلة الغرس في آونة سابقة قد حان قطافها، وأن ثمة مقتضيات ينبغي الوفاء بها صونا لوحدة الجماعة، وتلك الاعتبارات والنوايا الحسنة والإخلاص للجماعة هي الصفات التي تجعل الكثيرين داخل الصف الإخواني يؤازرون الأمين العام، بينما يتحفظ قطاع داخل الإخوان على نهجه ويرونه أقل انفتاحية ومرونة مما تقتضيه مستجدات الواقع وحاجيات الإخوان.
وإلى الآن يذهب محمود عزت إلى شارع محمد رفعت بالعباسية لينظر إلى مقر شعبة الإخوان الذي ما زال كما هو لم يتغير ويتذكر الماضي، ولسان حاله يقول: لقد وجدتكِ بعد ما فقدتكِ، لكنني لن أدعكِ هذه المرة تضيعين.. أنا الأمين أيتها الجماعة الخالدة.

ليست هناك تعليقات:
Write التعليقات

Services

More Services

© 2014 صلاح الدين حسن. Designed by Bloggertheme9 | Distributed By Gooyaabi Templates
Powered by Blogger.