أرشيف المدونة الإلكترونية

من أنا

صورتي
القاهرة
كاتب صحفي متخصص في الجماعات والحركات الاسلامية في مصر والعالم رقم هاتفي 0020109899843 salaheldeen1979@hotmail.com

Most Popular

الجمعة، 9 أبريل، 2010

رشاد البيومي.. الصلب الصامت

في أقبية السجون وتحت وطأة التعذيب قضى هذا الرجل عشرين عاما متواصلة كانت زهرة دنياه، شحذ فيها الجلاد وجدان الفتى الغض، فحدد أعداءه جيدا، إنهم من وضعوه خلف القضبان.. لم تسمح له سنه حينها أن يعفو عن جلاديه أو أن تتلاشى مرارة ما ذاقه مع رذاذ النسيان، فأورثت الفتى القادم من سوهاج حدة على حدته وصلابة على صلابته.. وطبعت عليه جدران زنازين السجن الحربي بعضا من صفاتها.. إنه الصمت الرهيب.
الهجرة والجهاد
في سوهاج وفي عام 1948 شهد الفتى رشاد البيومي الذي كان يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاما مشهدا لم تره عينه من قبل.. حشود تتجه نحو شعبة لجماعة الإخوان المسلمين صائحين مكبرين مهللين يرتلون أهازيج الجهاد والعداء لليهود، ثم يسجلون أسماءهم للذهاب للجهاد في فلسطين.. كان من بين هؤلاء معلم البيومي الذي كان يحبه حبا شديدا، وكان اسمه محمد العدوي، أحد كبار الإخوان في الدقهلية فيما بعد، والذي ألقت به الأقدار حينها إلى سوهاج.

روى العدوي للفتى الصغير ما أحدثه اليهود في فلسطين من مذابح، وما يهدفون إليه من الاستيلاء على الأقصى وتدميره وبناء الهيكل مكانه، انتابت البيومي حالة من الغضب وولدت لديه رغبة في الانتقام، وزرع في وجدانه حب الإخوان، وتألم حينها لأنه لم يذهب مع طلائع المتطوعين الذين رفضوا انضمامه لصغر سنه.
ولم تمض أيام إلا ومدرس التربية الرياضية صلاح البنا يعلن سفره للمشاركة في حرب فلسطين، فحملوه على الأكتاف مودعين إلى محطة القطار، وهناك دوَّى الهتاف (الله أكبر ولله الحمد).
سرعان ما انتقل البيومي إلى القاهرة عام 1951، وهو يحمل مشهد اغتيال البنا في مخيلته، وليشهد ذروة الاضطراب والسخونة في القاهرة، لكنه كان مولعا بالجهاد، فدفع نفسه دفعا للاشتراك في معركة القنال التي لا يرغب إلى الآن في التحدث عنها خشية أن يضيع أجرها عند الله.
تولى البيومي مسئولية الطلاب بكلية العلوم في أوائل 1954، وقبض عليه في العام نفسه وألقى به وراء أسوار السجن الحربي.. عذب تعذيبا قال عنه: "لا يتحمله بشر"، لكنه رغم صغر سنه لم يتراجع ولم يخضع للضغوط التي طالبته بأن يكتب ولو كلمة تؤيد الثورة والرئيس عبد الناصر، واقتدى في ذلك بمن كان مغرما بهم، وهم الثلاثة الأكثر صلابة في الإخوان (كمال السنانيري، وأحمد شريد، ومصطفى مشهور).. خرج البيومي عام 1965 ومكث خارج السجن 24 يوما فقط ثم عاد إليه مرة أخرى.
البحث عن الدكتوراه
تعرف البيومي في السجن على حسن عبد المنعم الذي تزوج من أخته بعد خروجه، وعبد المنعم كان من رجال النظام الخاص القديم ضمن خلية إمبابة التي اتهمت بأنها شاركت في محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، ثم سافر إلى أوروبا وعاد ليكون نائبا لمدير عام مصانع الشريف.. لكن البيومي لم يكن رجل مال، فلم يحاول الاستفادة من الثروة الطائلة التي انهالت من بعض إخوان الخارج على شركة الشريف وغيرها وقتذاك، ولم يستغل موقع صهره، ومازال إلى الآن يعيش على راتبه من الجامعة، ولم تربطه بصهره إلا صلة النسب والتنظيم.
رجع البيومي طالبا بكلية العلوم وانهمك في دراسته أوائل السبعينيات وتخرج بتقديرات عالية وعين معيدا عام 1974 وحصل على رسالة الماجستير 1977 وعلى الدكتوراه عام 1980.. شهدت هذه الفترة بناء جماعة الإخوان المسلمين في مصر، لكن البيومي لم يكن له دور يذكر في هذه الفترة بسبب ما أرجعه هو إلى انشغاله في الدراسة والبحث، لكن ثمة رأيا يرى أن البيومي لم يكن مقتنعا بالعمل الطلابي في هذه الفترة، كما كان يرى في هذه المجموعة خللا في التأسيس والتربية والأفكار التي لم تكن تتسق مع مناهج الجماعة ونظمها الأساسية من منظوره.
لم يطب له المقام في مصر فسافر إلى ألمانيا والتحق بقيادات الإخوان هناك، واستمر شهورا بجوار الحاج مصطفى مشهور، لكنه اختار أن يذهب إلى جامعة العين في الإمارات، أو أنه أُرسل لها كما يشك البعض، وكان هناك تنظيم للإخوان يضم الدكتور بهجت حسن الأناضولي وبدر الدين غازي، ويروي البعض أن هناك اشتباكا تنظيميا حدث هناك بين البيومي وهذه المجموعة، لكن السجال في النهاية كان في صالح البيومي الذي أخضع التنظيم هناك لسيطرته.
السيطرة على الطلاب
عاد البيومي عام 1989 ليتولى مباشرة الإشراف على قسم الطلاب، وهو أخطر أقسام الإخوان، وكان يتولاه في ذلك الوقت عبد المنعم أبو الفتوح، ويسيطر عليه أبناء جيله بحكم أنهم بُناته ومكونوه.. اعتبر البعض أن تولي البيومي هذا القسم كان بمثابة أولى الخطوات للاحتواء والسيطرة على الجيل السبعيني النشط الذي يرجع إليه الكثيرون الفضل فيما يسمى بالتأسيس الثاني للجماعة، وهو قسم له من المكانة ما لا يخفى على أحد، إذ يكفي الإشارة إلى مسئوليته عن الإشراف على صياغة وتشكيل الشريحة العريضة داخل الإخوان، والتي تحدد بوصلة المستقبل، ومن هنا يظن البعض أن تولي البيومي المعروف بصرامته التنظيمية وحرصه البالغ على سير كل أنشطة الجماعة وفق الأدبيات التأسيسية بحذافيرها مثل هدفا أساسيا لإبعاد قيادة القطاع الشبابي إلى قسم المهنيين الساكن في هذا التوقيت.. وتم تغيير نظام العمل داخل الجامعات ليصبح العمل الطلابي خاضعا لمسئولي الحي بدلا من استقلالهم بتنظيم خاص بهم.
لم يتول البيومي مسئولية الطلاب بهدوء، لكن توالت حركات التمرد عليه ولم يستطع أن يسيطر عليها في البداية.. كانت أولى هذه الأزمات ما عرف وقتها بفتنة الدكتور محمد رشدي، وملخصها أن مسئول الحي الذي كان يقيم فيه رشدي، وهو محمد العريشي، طلب من رشدي تسليمه أسماء تنظيم جامعة الأزهر لتخضع لمسئوليته مباشرة، لكن رشدي ومجموعته رفضوا الانصياع لمطلب العريشي بعد مفاوضات عسيرة، فتم فصل رشدي ومعه ما يقرب من 200 من الإخوان، وأبلغوا محافظاتهم بقرار الفصل.
كما شهدت علاقة طلاب الإخوان في الجامعات بالأمن الجامعي اضطرابا كبيرا منذ التسعينيات وإلى الآن، لكن البيومي أرجع ذلك إلى أجهزة الأمن التي شددت حصارها على الجماعات في هذه الفترة، لكن ثمة رأيا آخر يرجع هذا التوتر إلى طريقة إدارة هذا الملف في الجماعة والابتعاد في بعض الأحيان عن المرونة وتفويت الفرص على الأجهزة الأمنية التي يعرف الإخوان قبل غيرهم أنها تترصد لهم في بعض الأحيان وتنصب لهم الشرك وتنتظر منهم الهنات والهفوات.
دخول الإرشاد
لم يوفق البيومي في الانتخابات التصعيدية لمجلس شورى الإخوان، لكن المرشد وقتها مصطفى مشهور قام بتعيينه فيه، ولكنه لم يوفق أيضا في انتخابات مكتب الإرشاد 1995، لكنه عين فيه بعد اعتقال معظم أعضاء هذا المكتب عام 1996، بعدها اعتقل البيومي نفسه وحوكم على ذمة قضية ليس له بها صلة على الإطلاق، وهي قضية حزب الوسط، لكنه أفرج عنه بعد أن قضى أربعة أشهر ونصف شهر خلف قضبان المحكمة العسكرية.. ورغم الصعوبات التي كانت تعترض طريق البيومي لحجز مقعد في أجهزة الجماعة ومؤسساتها القيادية فإنه وكما تتطاير الأنباء يبدو مزاحما هذه المرة على الموقع القيادي الأعلى بالجماعة، حيث يطرح اسمه بقوة كمرشح رئيسي لتولي منصب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، وربما يعزز فرصه تلك الفترة التي قضاها خارج مصر في أكثر من قطر أوروبي وعربي؛ ما يجعله معروفا لإخوان الخارج، إضافة إلى سبقه وقدمه في الجماعة وتمتعه ببعض الصفات التي إن كانت لا تعجب البعض فإنها قد تبدو في أعين آخرين القياسات والمواصفات المطلوبة لقيادة الإخوان في المرحلة المقبلة.
الحق والباطل
رغم مقالاته المعدودة فإن البيومي كان من المبادرين في الوقوف في وجه الانتقادات العنيفة للجماعة منذ أن بدأ أزمة تصعيد عصام العريان لمكتب الإرشاد، وكتب سلسلة مقالات بعنوان "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين"، وهي مقالات وجهت بالأساس إلى الصف الإخواني، فيتحدث البيومي في مقالاته بأن الجماعة مرت بمحن تشيب لها الولدان حتى ظن الناس أنها قد اندثرت وتفككت، لكن الله حفظها لأن "دعوتنا ربانية"، ثم يوجه البيومي خطابه للإخوان داعيا إلى التمسك "بالمنهج الرباني" الذي سلكوه في الماضي، فحينئذ ستتهاوى الخلافات، وسرعان ما يلتئم الجرح ويموت الكائدون بكيدهم ويحترق المغرضون بغيظهم وتبقى الجماعة.
ودائما ما يعود البيومي إلى الماضي، ويشدد على عدم نسيانه؛ لأن تاريخ الإخوان المجيد سطرته دماء الشهداء ودموع الثكالى والأرامل، ويذكر البيومي الصف الإخواني بأنهم أهل الحق في مواجهة الباطل، ثم يتساءل "هل نسيتم هذا أو تناسيتموه؟ ويجيب: إنها ضريبة الدفاع عن الحق والاصطفاف في صفه، لكن مع ذلك فإن أشد الفتن وأقساها لم تكن من خارج الجماعة، بل كانت من داخلها، فالبعض قد تتلبس عليه الأمور من غير تبين أو سعي لمعرفة الحقائق، وقد يتمادى هؤلاء فيسقطون في الطريق، لكن الجماعة تبقى، ويذكر البيومي الإخوان بأمر آخر وهو أن هناك من يتربص بهم الدوائر وينتظر منهم الهنات والسقطات ويتلمس لهم الهفوات، ثم ينادي: لا تعطوا لهؤلاء القوم من نفوسكم وأقلامكم ما يشيعون به الكذب والزور والبهتان.. ويشدد على مبدأ الثقة في القيادة، ويرى أنه "قوام الوحدة، ولو وثقتم فستجدون كل الرعاية لما فيه المصلحة العامة وتقدير ما يفيد".
ويصف البيومي كل ما يتقول على الإخوان وتصنيفهم بأن منهم الصقور والحمائم والمحافظين والإصلاحيين، بالتخرصات والافتراءات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ويتساءل هل يكون المحافظ على قيم جماعته وأصول دعوته إلا مصلحا؟ وهل يكون المتسامح اللين الذي لا يعطي الدنية من نفسه إلا داعما لجماعته وفكرته؟
الانفجار
كثيرون حدثونا عن حدته وخشونته وضيق صدره، لكننا لم نعدم ممن خالطه عن قرب من أكد لنا أن كل ما سمعناها لا يعدو أن يكون قشرة تكسو رجلا رقيقا مشجونا زاهدا، وأن حدة قسمات وجهه ليست إلا نتاج حمله هموم أمته واستشعاره بمسئولية دعوته، حتى أن أحد محبيه أهدانا قصيدة قد كتبها لزوجته وهو سجين زنزانته، قال في مطلعها:
رفيقة العمـرِ زكَّـى الله عترتها تفوح عِطرًا بعبقِ النُّبلِ والطهرِ
حباكِ ربـي صفاءً فـي مودتنا وأشرقَ النورُ في محياكِ كالبدرِ
دعَّمتِ خطوي لنورِ الحقَّ راغبةً وكُنتِ درعًا حصينًا من هجمةِ الغدرِ
لكن مهما قيل عن الرجل فلا شك أن هناك حالة من الجدل الكبير حول شخصيته، بعدما ترددت أنباء عن احتمالية تصعيد الرجل لمنصب الإرشاد بعد حالة الاحتقان والارتباك الكبير الذي شهدتها الجماعة مؤخرا.. لقد بلغ الأمر إلى الحد الذي قالت فيه قيادة كبيرة داخل الجماعة بنفس تهديدي: "لو وصل البيومي إلى الإرشاد ساعتها سيكون الانفجار"، وبالمقابل فلا يعدم البيومي مناصرين ومؤيدين كثرا داخل الجماعة يرون فيه صورة حية لجيل الصبر والصمود والتضحيات في سبيل الدعوة والحفاظ على مبادئها وصيانتها من أي دعاوى تريد إخراجها عن خطها الأصيل

ليست هناك تعليقات:
Write التعليقات

Services

More Services

© 2014 صلاح الدين حسن. Designed by Bloggertheme9 | Distributed By Gooyaabi Templates
Powered by Blogger.