أرشيف المدونة الإلكترونية

من أنا

صورتي
القاهرة
كاتب صحفي متخصص في الجماعات والحركات الاسلامية في مصر والعالم رقم هاتفي 0020109899843 salaheldeen1979@hotmail.com

Most Popular

الجمعة، 9 أبريل، 2010

محمد حبيب.. فارس بلا جواد


صلاح الدين حسن 23-12-2009

كطائر يحلق وسط سرب طيور متجانسة، لكنه ليس منها، ولا يصطدم بها.. تضمه إليها لكنها تعلم جيدا أنه ليس منها، ويعرف هو أيضا أنه ليس كذلك، فظل دائما قائدا بلا جنود، وفارسا بلا جواد.. لم يكن له يوما عصبة منذ مولده وإلى الآن.
ولد وحيدا

ففي ذات يوم من أيام شتاء عام 1943 ولد للحاج السيد حبيب ولد أسماه محمد، فكان المولود الأول للأسرة.. ولد محمد ليجد نفسه في أسرة فقيرة الحال، وأب مريض ما لبث أن توفاه الله، ولا زال محمد صغيرا لم يتجاوز الثماني سنوات، لكن صدمة موت أبيه كان وقعها أشد على نفسه من مرارة الفقر، فلم يجد حبيب أحدا يكفله من عائلة أبيه، لكن الله قيض له خاله الذي كفله هو وأخواته. بيد أن الفتى لم يرض أن يكون عالة على أحد، فقام وهو طفل لا يتجاوز عمره ثمانية أعوام ليعمل في إحدى ورش نجارة الموبيليا التي يقوم عليها عصب الاقتصاد الدمياطي ليكسب قوت يومه ويدخر لينفق على أخواته.

فعلت البيئة الدمياطية بحبيب فعلها، فأورثته العمل والجد والإتقان والصبر والمثابرة، وقرر أن يصنع من نفسه شخصا يشار له بالبنان، وربما شخصا يسجله التاريخ بأحرف من نور فجمع بين مهنته ودراسته، واجتهد في كليهما، وتفوق محمد، والتحق بالجامعة في عام 1960 بكلية العلوم، وعين معيدا بقسم الجيولوجيا، وحصل على الماجستير في عام 1968، وتزوج من إحدى تلميذاته البورسعيديات، ورزق بأربع بنات، ثم بتوأمين من الذكور، وسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 78؛ حيث درس علم الاستشعار عن بعد.

اختيار الإخوان

كان وحيدا في جيله يعزف دائما منفردا.. فلم تدفع به الأقدار لأن يكون في عصبة الجيل القديم الذي كان له السبق في الجماعة، ولم تدفع به تلك الأقدار لأن يكون في عصبة الجيل السبعيني الذي حمل سمات الانفتاح، ولم يكن أيضا من عصبة القطبيين التي استمدت قوتها من قسوة السجون.. لم يكن لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كان نسيج وحده.. كان مستغرقا في دراسته الأكاديمية طيلة فترة الستينيات حتى أواخر السبعينيات، فلم ينتم للإخوان لكنه تعاطف معهم وحسم أمر إسلاميته وجدانيا بعد هزيمة يونيو 67 التي صدمته كالكثيرين، وجعلته يحزم أمره بالاتجاه صوب المشروع الإسلامي الذي لم يمل لغيره يوما.

ووحيدا أيضا هبط حبيب إلى أسيوط طالبا في كلية العلوم، تاركا موطنه دمياط، وفي أواخر السبعينيات، وبعد استقراره الأكاديمي، بدأ في نشاطه الدعوي الإخواني في الجامعة، وفي الصعيد كله وبدا نشيطا متحمسا دءوبا حتى اعتقل ضمن اعتقالات سبتمبر الشهيرة 1981، وكان ضمن 1536 الذين شملتهم قرارات الاعتقال بصفته أحد أعضاء الإخوان الناشطين في الصعيد، وعضو ناشط في نادي أعضاء هيئة تدريس.

خرج حبيب من هذا الاعتقال أكثر قوة، واستأنف نشاطه هذه المرة كأحد مسئولي بناء جماعة الإخوان المسلمين في الصعيد، وذلك ضمن اللجنة التي شكلها عمر التلمساني لإعادة بناء الإخوان في مصر مرة أخرى، وقد أطلق على هذه المجموعة (مكتب مصر)، ووضعت هذه المجموعة خطة لتقسيم القطر المصري إلى قطاعات، فكان محمد حبيب مسئول قطاع الصعيد بالكامل. ذلك القطاع الذي بدأ في ترتيبه وتقسيم المكاتب الإدارية للجماعة في كل محافظاته، وتقسيم تلك المكاتب إلى مناطق وشعب، كما ركز بشدة على تعميق وتقوية التنظيم ووضع القواعد الإدارية التي تضمن فاعليته وكفاءته وانسجام تكويناته وتراتبيته، وهو عمل استغرق الجهد الأكبر من نشاط حبيب، وسلخ من عمره سنوات عديدة.

بدايات الإقصاء

ثمة الروايات يتم تناقلها تتحدث عما يمكن تسميته بالإقصاء الذي حدث لحبيب في ذروة قيادتة لعمل الإخوان بأسيوط. الروايات المحكية مفادها أن رجلا أتى مبغوثا من قبل رجل التنظيم القوي مصطفى مشهور ليقلم أظافر حبيب، ويقضي على نفوذه في الصعيد، ويتقلد مفاتيح المكتب الإداري هناك في خلال سنتين تقريبا لا أكثر، ويجعل نشاط حبيب محصورا في نادي هيئة أعضاء التدريس.

هذا الرجل هو محمود حسين الذي ولد في غزة لأب مصري أسيوطي وأم فلسطينية، لكنه عاش وتربى في فلسطين، وبعد أن توفي والده هناك بعثته والدته إلى عائلته في أسيوط ليكمل تعليمه الجامعي هناك، ويعيش في كنف عائلة أبيه، لكنه لم ينتم إلى الإخوان إلا بعد أن سافر إلى بريطانيا ليحصل على درجة الدكتوراه من هناك، فتعرف على مصطفى مشهور الذي ضمه إلى الإخوان في أوروبا، وبعثه ليلتحق بالمكتب الإداري في أسيوط، الذي كونه محمد حبيب، وسرعان ما بدأ حسين في ربط الإخوان به، وشرع في فتح اتصال مباشر مع إخوان الخارج، وتعرض حبيب لمضايقات حملها في جعبته، وذهب شاكيا حسين لمرشد الجماعة حينها عمر التلمساني، لكن حسين طلب من التلمساني إجراء انتخابات لأعضاء مكتب إداري أسيوط، وبالفعل أجريت الانتخابات، ولم ينتخب حبيب لا مسئولا للمكتب، ولا حتى عضوا فيه.

خسر حبيب بسبب ما أرجعه بعض قيادات الجماعة إلى تربيطات محمود حسين الذي فضله (الأسايطة) على حبيب الدمياطي الأصل، وساعد على ذلك تغير تركيبة المكتب الإداري هناك بعد أن توفي اثنان من أعضائه كانا من أنصار حبيب وهما (دسوقي شملول والشيخ عبود)، وبقي (محمد كمال ومحمد حبيب).

بدا حبيب حينها وحيدا أيضا، فذهب للتلمساني شاكيا حزينا، فأرضاه التلمساني وطيب خاطره بأن جعله عضوا في مكتب الإرشاد ذاته.

حبيب في الإرشاد

بعد وفاة التلمساني وجد حبيب نفسه وحيدا مرة أخرى.. ومع أنه كان عضوا في المكتب، لكنه وجد نفسه منفصلا عن العمل اللوجستي للجماعة، وأصبح كأحد مساعدي القيادة العليا للإخوان التي أثقلتها الأعباء، فاحتاجت إلى من يساعدها، لا إلى من يأخذ القرار معها.

فإبان تولي محمد حامد أبو النصر مقعد الإرشادية ظلت القاعدة الخاصة بحبيب مطبقة "معهم وليس منهم" مع أن حبيب كان في قلب المجموعة التي كانت تحيط بمشهور، وحاولت الدفع به إلى منصب المرشد بعد وفاة التلمساني بالمخالفة للائحة التي كانت تقضي بأحقية أبو النصر باعتباره أكبر الأعضاء سنا، بل إن حبيب كان الرسول الذي أرسله مشهور إلى حامد أبو النصر في الصعيد لإبلاغه قرارهم بتولي مشهور مقعد الإرشادية، لكن تصرف حبيب مع أبو النصر قلب الكفة على مجموعة مشهور، عامدا أو غير عامد، فحبيب الذي ذهب ليخبر أبو النصر بقرار تولي مشهور الإرشادية بدا أنه استحى من إبلاغه القرار بالصيغة التي اتفق عليها، فبدلها إلى الآتي: الإخوة يستأذنونك في تولي الأستاذ مصطفى مشهور منصب المرشد؛ نظرا لظروف فضيلتكم الصحية، لكن أبو النصر فاجأ حبيب بأنه لن يتنازل عن الإرشادية، ثم قام وحزم حقائبه للسفر للقاهرة.

كان حبيب يعلم أن كفة الميزان تميل لصالح مشهور ومجموعته، فاستمر في سياسته التوفيقية، وكانت هذه المجموعة دائما في حاجة إلى واجهة وإلى كفاءات تستطيع أن تستفيد منها وأن توظفها، بدلا من أن تهدرها، وهذه القاعدة طبقت على حبيب فأعطت له صلاحيات كثيرة وصدر لواجهة المشهد السياسي، ووضعت في قبضته ملفات كثيرة.. غير أن جل الملفات الموكلة له كانت تتعلق في الغالب بقضايا لا تمس مفاصل التنظيم وشئون الجماعة الداخلية، فقد ارتبطت بملف العلاقة مع النخب والأحزاب المصرية وتحسين أداء الجماعة على الصعد الإعلامية والسياسية.

حقق حبيب نجاحا غير منكور على هذه الصعد، لكنه ظل طوال تلك السنوات بعيدا عن المناطق الأكثر تأثيرا داخل الجسد الإخواني، وربما أدرك حبيب بعد فوات الأوان أن كل مشروع تغييري للإخوان، وكل إصلاحات، لا يمكن أن تمر إلا من خلال الحضور التنظيمي وامتلاك أدواته.

وبعد وفاة المرشد الحديدي مشهور استمر حبيب في سياسته مع أنصاره من القطبيين، ومن أبناء النظام الخاص القديم، واستمروا هم في سياستهم معه، ووصلت ذروة هذه السياسة الفلسفية بحصول حبيب على نسبة أصوات تأهله لأن يكون النائب الأول للمرشد مهدي عاكف بفارق صوت فقط شعر حبيب بعدها بالقوة التي تؤهله لأن يخلف عاكف من خلال التصويت الحر.

العارفون ببواطن الأمور أكدوا حينها أن وصول حبيب لهذا الموقع أو حتى عاكف لموقع المرشد لا يعني امتلاكهم النفاذ والقوة من قريب أو بعيد، فما جرى محض توازنات واستخدامات وتوظيفات لمرحلة معينة، أو قد تكون تركيبة مكتب الإرشاد حينها وأصوات عبد المنعم أبو الفتوح ومحمد علي بشر، ومحمد هلال، هي التي دعمت موقف حبيب.

لكن البعض رأى أن حبيب قد غرر به، ودفع لممارسة إقصاء قيل إنه دفع له دفعا، واستخدم فيه، ومنه اشتراكه في إقصاء مختار نوح وعزله من إدارة ملف نقابة المحامين بعد خروجه من السجن، وهو نفس الأسلوب الذي مورس ضد معظم جيل السبعينيات.. كان حبيب يعلم أن هناك جيلا يصفى بسبب أفكاره، لكنه لم يساندهم وظل مرتكزا في المنتصف.

على حصان أعرج

"سيد قطب صاحب فكرة جميلة، لكنه وضعها على حصان أعرج"، هذه مقولة محمد حبيب واصفا القطبيين في الجماعة، الذين لم يعودوا يتحملوه، واعتبروه شخصا غير مرغوب فيه، قرر السرب أن يلفظ الطائر الغريب بعد أن حاول أن يتعدى دوره، ويطمح في قيادته، فوجد نفسه يغرد بعيدا خارجه.

كان حبيب يريد ألا تقع الجماعة في قبضة القطبيين، فحاول أن يتولى مهام عاكف، وأن يحل بديلا عنه قبل أن تفرض مجموعة محمود عزت رغبتها على المكتب، تصارعوا.. لكن حبيب لجأ إلى الإعلام محاولا حماية نفسه، فسارع إلى فضائية الجزيرة ليعلن أن عاكف قد استقال وفوضه بصلاحياته محاولا أن يضرب ضربة استباقية للمجموعة التي وضعها بالفعل في مأزق إعلامي وورطة كبيرة، فحاولت هي بدورها السيطرة على الموقف فنفت تارة وفسرت تفسيرا توافقيا تارة أخرى حتى خرج الكتاتني ينفي في شبه تكذيب ما قاله حبيب.

هذا الموقف عرض حبيب لهجوم عنيف وصل إلى حد المطالبة بفتح التحقيق معه، على اعتبار أنه سرب أخبار الجماعة.. بدأ التوتر بين حبيب وبين المجموعة منذ أن أعلن عاكف عن نيته الأكيدة في الاستقالة التي كانت مجموعة محمود عزت تأمل في أن يتراجع عاكف عنها، لكن بعدما تأكدوا من عدم تراجع الرجل العنيد بدءوا في التفكير في من يخلفه؟

كان حبيب على يقين من أن هذه المجموعة لن تأتي به مرشدا، بالإضافة إلى أنه شعر بأن المجموعة ستأخذ الجماعة إلى الأسوأ.. كان صراعا محموما حاول فيه الجميع استخدام الدستور الإخواني لصالحه، فحبيب فسر اللائحة التفسير الذي يسمح له بقيادة الجماعة نحو 6 أشهر بعد تقاعد عاكف، ويسمح له خلالها أن يعيد انتخابات مجلس شورى جديد بلائحة جديدة توفر الفرصة لعناصر التيار الإصلاحي بالتواجد ضمن قيادة المكتب الجديدة، وفي المكاتب الإدارية أو أن يأتي بعناصر جديدة قد تأتي بمجلس شورى جديد يختار أعضاء جددا يأتون بحبيب أو حتى غيره بعيدا عن سيطرة المحافظين الذين لا يكف البعض عن وصفهم بالقطبيين، والذين اختطفوا الجماعة منذ عقود وأدخلوها تحت السطح في طاعة وتسليم مطلقين بالأدبيات القطبية، ربما دون أن يدري الكثيرون بحقيقة ما تشكله به من قناعات وأفكار لا تتيح له شواغل المهام التنظيمية التوقف حيالها.

آفاق المستقبل

"أي مساس بقيمة الشورى لن أتنازل حياله، وسوف أحاربه حتى آخر قطرة من دمي؛ لإقرار مبدأ الشورى وحرية الشورى قبل الشورى ذاتها.."..

بدا هذا الكلام غريباً في صدوره عن شخصية اتسمت على الدوام بالهدوء الشديد وضبط أوزان الكلمات ودلالاتها. تلك الحدة فسرها البعض بأنها نتاج الضغط الذي تعرض له حبيب جراء الجدل الساخن الذي كان يجري خلف كواليس الإخوان. فقد كانت كل التوقعات تشير إلى أن النائب الأول لمرشد الإخوان هو القادم بلا ريب لقيادة دفة الجماعة في الفترة القادمة.

كل هذه الرهانات وتلك التوقعات ذهبت أدراج الرياح بعد أن خرجت الأمور عن الضبط، وخرجت الأمور الخلافية من الحوار غير المعلن داخل أروقة الجماعة إلى السجال الحاد على الملأ.

يبدو أن الأيام القادمة ستدفع الطائر للبحث عن مرسى يلتقط على شواطئه أنفاسه، ويقلب أوراقه، ويفتح خزانة ذكرياته ليقيم ما كان في صفحات الماضي حتى يقلع بشراعه صوب فضاء جديد لا يبدو أنه سيحمل الهدوء والدعة.

ليست هناك تعليقات:
Write التعليقات

Services

More Services

© 2014 صلاح الدين حسن. Designed by Bloggertheme9 | Distributed By Gooyaabi Templates
Powered by Blogger.