أرشيف المدونة الإلكترونية

من أنا

صورتي
القاهرة
كاتب صحفي متخصص في الجماعات والحركات الاسلامية في مصر والعالم رقم هاتفي 0020109899843 salaheldeen1979@hotmail.com

Most Popular

الجمعة، 23 أبريل، 2010

أفكار قطب.. هل ما زالت "تدب فيها الروح"؟

صلاح الدين حسن 20-06-2009
لم يستطع حبل المشنقة أن يعدم أفكار سيد قطب، بل إن عرائسه المنحوتة بقلمه المبدع وبيانه العذب وأسلوبه الأخاذ قد دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة من جديد، فقدر لقطب أن يكون من الذين يصنعون التاريخ حتى بعد تغييبهم عن الوجود، وظل يطل بمعالمه وظلاله على العالم الإسلامي في أحداثه الكبرى.
فإذا كان حبل المشنقة لم يستطع أن يعدم أفكار الرجل، فهل يستطيع فعل الزمن أن يقهقرها؟ هل بدأ مشروع قطب الفكري والحركي في التآكل شيئا فشيئا؟ هل مازالت أدبيات قطب تتصدر المشهد ويتربى عليها جموع الإسلاميين أم أن المستجدات على أكثر من صعيد قد حملت تلك الأدبيات على التراجع؟
انتشار قطب
هناك من حاول أن يحدد موقع قطب من جماعة الإخوان المسلمين، فقال: سيد قطب في الإخوان كالشوكة في الحلق لا تستطيع بلعها ولا لفظها، فأين جماعة الإخوان المسلمين الآن من سيد قطب.. سألنا صبري عرفة الكومي (عضو مكتب الإرشاد وأحد الذين سجنوا مع قطب عام 1965):
- هل مازال قطب موجودا وحاضرا بأفكاره عند جماعة الإخوان المسلمين أم تراجع مشروعه الفكري والحركي؟ فأجاب بحماس "قطب موجود، ولابد أن يكون موجودا"، وعن ظواهر هذا الوجود قال عرفة: "سيد قطب ما زال له تأثير فالمعاني التي تجدها في تفسيره تقريبا لا تجدها في كتب أخرى"، وعن مدى انتشار كتبه يقول عرفة: "كتب قطب موجودة ومتداولة وتزداد انتشارا، خاصة الظلال، عند الإخوان وغير الإخوان، فهي ليست خاصة بفئة معينة؛ لأنها كتب عامة وتوزع خارج مصر أكثر بكثير جدا مما توزع داخلها"، ويضيف: "كتب قطب تنتشر ولم يقم أحد بضرب أحد على يده حتى تنتشر، لكنها تنتشر برغم كل الدعايات وكل الأقوال التي تقال ضدها، وكثير من القراء يجد أنه لا يمكن أن يستغني عن الظلال بجانب التفاسير الأخرى".
تبدو إجابات قاعدة الجماعة وأعضائها المؤطرين مهمة، فهؤلاء هم من يتعرضون لمناهج التربية والتثقيف والتي ظلت أدبيات قطب تتصدرها.. أحد شباب الإخوان توفيق عبد الهادي عندما سألناه هل مازالت كتب سيد قطب تقرأ؟ أجاب على الفور "بالطبع تقرأ"، ولم تكن هذه الإجابة القصيرة قادرة على تقديم صورة كاشفة لكثير من القضايا والإشكاليات، ومن ثمة كان السؤال حول أفكار صاحب الظلال، وهل يتم استيعابها أم أنها تبدو في أحيان كثيرة عصية على الفهم؟ تحدث عبد الهادي بإيجابية عن تفهمه واستيعابه لأفكار سيد قطب، إلا أنه أشار إلى بعض الصعوبات التي تعترض طريق من يتعاطى مع أفكاره في البدايات، وحول مدى التأثير والحضور جاءت إجابات الشاب الذي يشغل درجة تنظيمية تجعله محسوبا داخل أطر الجماعة بأن قطب مازال يتمتع بالحضور والتأثير، ومصداق ذلك كتبه التي يتم تدريسها في مناهج الجماعة، وحسب قول عبد الهادي فإن كتب "التصور الإسلامي في القرآن" "ومعالم في الطريق"، لكن على سبيل القراءة والمعرفة والثقافة وهو يدرس في المنهج الحركي لا في منهج العقيدة.
انحصار قطب
إذا كان هذا رأي أحد أعضاء مكتب الإرشاد ورأي أحد قواعد الإخوان فإن رأي أحد قياداتها الموصوف بالانفتاح د. محمد جمال حشمت جاء مختلفا لأنه يرى أن "التأثر بكتابات قطب قد قل لكثرة الكتابات الإسلامية ولكثرة الآراء المطروحة بالإضافة إلى رتم الحياة السريع والتقاط المعاني الإسلامية دون تركيز وقلة الوقت الذي لا تجد فيه فرصة لأن تقرأ وتتمعن في القراءة، كل هذا أثر على أفكار وكتب وكلمات سيد قطب وسط المائدة المقدمة الآن للشباب".
ومع أن توفيق عبد الهادي أكد أن كتب قطب تدرس في المناهج، ومنها واحد من كتبه الإشكالية "معالم في الطريق"، إلا أن حشمت أكد أن كتب قطب لا تدرس كلها وإنما تختار بعناية، وقال إن: "كتب قطب لم تكن تدرس في مناهج الجماعة بكثرة من البداية، وإنما كانت تختار قراءات معينة له وصور بعينها تدخل في المنهج لكن كتبه كقراءة عامة موجودة ومازال يستعان بها حتى الآن في بعض الموضوعات وبعض المواقع إنما ليس على الإطلاق كأنك تأخذ من كل بستان وردة"، وأضاف: "ليس كل ما كتب على الإطلاق يدرس، هناك كتب بعينها ليس واردا أن تدرس لأن الشباب يمكن أن يفهم خطأ، وهذه مشكلة سيد قطب وقراءاته أنها كلما قرئت خارج إطار الإخوان الفاهمين الواعين فهمت بطريقة خطأ".
أفكار مغالية
في مقابل اختيارنا لأحد أفراد قواعد الإخوان ليدلي بدلوه في هذا التحقيق قمنا باختيار أحد أفراد شباب الإخوان الباحثين والمدونين، وهو إبراهيم الهضيبي الذي قال لنا أنه يقرأ قطب لكن ليس لأنه من شباب الإخوان، ولكن لأنه باحث مهتم، ومع إقراره بأن كتابات قطب هي كتابات أدبية في منتهى الرقي إلا أن الهضيبي يعتبر أن قطب قد غالى في بعض أفكاره.
ويرى الهضيبي أن أفكار قطب المغالية "ليست بعيدة عن الإخوان؛ لأنك تستطيع اكتشافها في تصريحات عدد من قيادات الإخوان، فالهاجس التنظيمي الأمني الكبير جدا لم يكن عند الإمام البنا، لكنه موجودة في أفكار سيد قطب الذي اعتبر أن الحوارات الفكرية ترف لا مجال له.. ويتساءل الهضيبي قائلا: متى أفكر وأناقش.. هل عندما أقيم الدولة؟ هذا شيء غريب".
تفسير لا عقيدة
أما رأي الجماعة الإسلامية بمصر فعبر عنه القيادي فيها عصام دربالة، فيكشف بعد تثمينه لفكر قطب واعتباره قامة فكرية كبيرة أن قادة الجماعة الإسلامية كان "لديهم نوع معين من الإحساس أن هناك كثيرا من المعاني التي طرحها الشيخ قطب أسيء فهمها وتعامل معه بعض قرائه وبعض من ينتسب للحركة الإسلامية بصورة لم يردها قطب".
وينبه دربالة إلى "أن إبراز الشيخ قطب كمفكر أمر يثري الفكر والوجدان لكن معاملة قطب ككاتب في علم العقيدة سيظلم قطب بما لم يقصده"، ويرى دربالة أن هذا الفصل "هام جدا لأن المطلع على كتابات قطب يجب عليه أن يطلع عليها ككتب في التفسير، ويجب ألا تقرأ في تقرير قواعد عقائدية، فالرجل لم يتصد لها ولم يقل إنه يتصدى لبيان الاعتقادات التفصيلية التي يجب أن يعتقدها المسلم في كل نواحي العقيدة، ذلك هو ما قاله في ظلال القرآن".
هذا الفصل هو "الذي يضع كتابات قطب في الوجهة الصحيحة الإيجابية، وهو الآن يقرأ بهذا المنظور".
ويرى دربالة أنه يجب أن "يستفاد من كتابات قطب الإيجابية لأن قطب شأنه شأن أي عالم من العلماء وأي واحد من البشر يجتهد اجتهادات كثيرة يصيب فيها ويخطئ أحيانا، فعلينا نحن أن نفرز هذه المسائل، وهذا ليس انتقاصا لقطب لأن قطب إذا كان يدعو إلى حاكمية الله سبحانه وتعالى فلا يمكن أن يجعل نفسه معصوما أو فوق الخطأ".
مثل هذا الرأي ذهب إليه صبري عرفة، حيث نبه إلى أنه "ليس لمثلي ومن أعلى مني أن يستنبط من الظلال أحكاما مباشرة، كل أحكامنا نأخذها من القرآن والسنة، لكن لخاصة الناس، ولها أدوات معينة، وفي الظلال نفسه لم يقل سوى أنه تفسير وليس كتاب أحكام".
ويشدد عرفه على أنه لا يمكن الاستغناء عن قطب لأنه مكمل للقرطبي وابن كثير الذي هو حجة في الأحكام التي يمكن استنتاجها من القرآن، فعرفة عندما يقرأ في الظلال يجد المعاني التي تكمل القرطبي وابن كثير، والتي تغذي الروح وترقق النفس والمشاعر، وهذه ليست موجودة في مكان آخر، لكنه لا يستنبط الأحكام من الظلال.
القفز على قطب
ويرى حسن هنية -الخبير الأردني في شئون الحركات الإسلامية– أن الإسلاميين مختلفون في نظرتهم لأفكار قطب، فالإخوان المسلمون مثلا يرون أن أفكار قطب قد أسيء استخدامها، أما الحركات الإسلامية المقاتلة فيعتبر قطب بالنسبة لها بمثابة الأب الروحي، ويعتبر كتاب معالم في الطريق دستور هذه الحركات، لكن هذه الحركات قد أخذت في تطوير خطاب قطب وقرأته بقراءة مختلفة، وبالتالي نستطيع أن نقول إنه تم تجاوزه.
وكانت أولى خطوات هذا التجاوز من صالح سرية الذي أدخل مصطلحات أكثر صلابة وعنفا، وثاني هذه الخطوات كانت من محمد عبد السلام فرج في كتابه الفريضة الغائبة الذي قسم العدو إلى عدو قريب وعدو بعيد، وأيضا حدث هناك تطورات على هذا الخطاب من قبل السلفية المقاتلة، تجلت في خطاب أبو محمد المقدسي، لكن هنية يرى أن قطب يعد أحد المنظرين الكبار لفكر هذه الجماعات، لكنه تم تجاوزه ليبقى قطب الأب الروحي لهذه الجماعات.
الدور التنظيري
"سيد قطب منافستو الحركات الإسلامية" هكذا بدأ معنا هاني السباعي –مدير مركز المقريزي- حديثه الذي يتلخص مجمله حول أن قطب لم يتم تجاوزه عند الحركات الإسلامية؛ لأنه بمثابة الشعلة للجماعات القائمة، فكل جماعة أخذت من أفكاره ما يناسبها، وإن أقر السباعي بأن الجماعات الجهادية قد طورت من أفكارها وبنت عليها، لكن السباعي لا يستخدم مصطلح التجاوز في وصف العلاقة بين الإسلاميين وقطب.
ويكمل السباعي مستشهدا على صحة قوله: انظر إلى جماعة الجهاد، فلا يكاد يخلو خطاب للدكتور أيمن الظواهري من الاستشهاد بمقولات الشهيد سيد قطب، فهيامه بقطب كبير، وجماعة قاعدة الجهاد تعتبر قطب أحد الملهمين، ودائما ما تستشهد به في كتبها.
ويعود السباعي لرفض فكرة التجاوز، حيث يرفض واقعية ومنطقية هذا الحكم؛ لأن صاحب الظلال والمعالم بنظره كان صاحب رؤية ومؤسس فكرة، وقد طبقت الجماعات الإسلامية هذه الفكرة على أرض الواقع الذي يقول إنه قد تم تجاوز قطب لأنه يعتبر قطب مؤسسا لفكرة معينة تضمنتها كتاباته، لكن الجماعات الإسلامية طبقت الفكرة على الواقع لأنه كان أقرب للمنظر، وهذا في حد ذاته تطور، فالجماعات الإسلامية طورت نفسها بنفسها، وكتاب محمد عبد السلام فرج وغيرها من الكتب التي كتبتها الجماعات الجهادية عيال على ما كتبه محمد عبد السلام فرج لأنه قام بالرد على الشبهات القائمة وقتها من الناحية العملية، لكن قطب كان يجيب على أفكار عامة.
سيد قطب والعنف
هناك أفكار لقطب قد تجاوزها الإسلاميون، وهناك أفكار أخرى لم يتجاوزوها بناء على طريقة تفسير ما طرحه قطب بين الإسلاميين أنفسهم.. كان هذا رأي منير غضبان الكاتب الإسلامي الذي استلهم منهجية قطب في الكثير من كتاباته، ويفصل الغضبان رأيه فيشير إلى أن الأفكار التي لم يتجاوزها الإسلاميون هي قضية التشريع بما أنزل الله لأنه متفق على تكفير من لم يشرع بما أنزل الله، وهذا الأمر محل اتفاق، لكن الغضبان يرى أن قطب رفض فكرة العنف من أجل تطبيق أفكاره التي يؤمن بها، واعتبر التربية هي الطريق الصحيح في هذه المرحلة لقيام دولة الإسلام بناء على أن المسلمين في المرحلة المكية فلا يجوز أن يقاتل الناس مع أنه قال يجوز القتال إذا تعرضت الحركة الإسلامية للاعتداء، فيمكن رد هذا الاعتداء، ويخلص الغضبان إلى أن هناك بعض الأفكار التي تم تجاوزها، وبعضها ما زال قائما، ومن يقرأ الظلال يجد أنه دستور قائم في بناء الإسلام، وليس خاصا بقضية الحاكمية وحدها

ليست هناك تعليقات:
Write التعليقات

Services

More Services

© 2014 صلاح الدين حسن. Designed by Bloggertheme9 | Distributed By Gooyaabi Templates
Powered by Blogger.